أحمد بن محمود السيواسي
65
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ونحوه أضيف ذلك إليه ، وهو قول المعتزلة ، وهذا مخالف « 1 » لقوله اليه السّلام : « السحر حق والعين حق » « 2 » ، وقيل « 3 » : يؤخذ الرجل عن المرأة بالسحر حتى لا يقدر على الجماع « 4 » ( وَما هُمْ ) أي ليس الساحرون ( بِضارِّينَ بِهِ ) أي بالسحر ( مِنْ أَحَدٍ ) أي أحدا ( إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي بإرادته ، فالساحر يسحر واللّه يكون ، قيل : من شاء اللّه منعه فلم يضره السحر ، ومن شاء اللّه خلى بينه وبينه فضره باذنه « 5 » ، قوله ( وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ ) أي الذي يضرهم في الدنيا ( وَلا يَنْفَعُهُمْ ) في الآخرة وهو السحر ، فيه تنبيه علي اجتناب كل علم يجر صاحبه إلى الغواية كعلم الفلسفة . روي في قصة الملكين : أن الملائكة عيرت بني آدم لما رأت من ذنوبهم تصعد إلى السماء كالشرك وعبادة غير اللّه وسفك الدماء وغير ذلك من المعاصي الكبيرة ، وقالوا : ربنا خلقت هؤلاء من التراب وأحسنت خلقهم ورزقتهم ، فعبدوا غيرك وعصوك ، فقال لهم اللّه : أنهم في عذر وعنت ، لو ركبت فيهم لعصيتموني ، قالوا : سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك ، قال : فاختاروا منكم اثنين لأركب ذلك فيهما فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما ، فاختاروا هاروت وماروت ، وكانا « 6 » من خيارهم واهبطا إلى الأرض ليحكما بما أمرهما نهارا ثم يصعدا إلى السماء ليلا ليعبدا « 7 » ربهما فيها إلى الصبح ثم ينزلا إلى الأرض فكانا يحكمان فيها بالحق وقد نهيا عن الشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر ، فجاءت امرأة اسمها زهرة من أجمل النساء تجادل زوجها إليهما فخضعا لها بالقول وراوداها على أنفسهما ، فقالت لا حتى تقضيا لي « 8 » على زوجي ففعلا ، ثم سألا لها نفسها ، فقالت : لا حتى تشربا الخمر معي فشربا معها ، ثم سألاها « 9 » نفسها ، فقالت : لا حتى تقتلا « 10 » زوجي فقتلاه ، ثم سألاها نفسها ، فقالت : لا إلا أن تصليا معي لصنمي هذا ففعلا ، فكشف الحجاب بينهما وبين الملائكة ، فنظروا إليهما وإلى عملهما فجعلوا يستغفرون لمن في الأرض ويعذرون أهلها ، فلما علما ما حل بهما من المحنة قصدا إدريس فاستشفع لهما فخيرهما اللّه بين عذابي الدنيا والآخرة فقالا عذاب الدنيا ينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له ، فاختاروا عذاب الدنيا فيعذبان فيها « 11 » ، قيل : « إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد
--> ( 1 ) مخالف ، ب م : يخالف ، س . ( 2 ) وهذا الحديث ليس بموجود بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة الحديثية التي راجتها . وهو موجود بهذا اللفظ « العين حق » . انظر البخاري ، الطب ، 36 ، اللباس ، 86 ؛ وأبو داود ، سليمان بن الأشعث السجستاني ، سنن أبي داود إسطنبول ، 1981 ، الطب ، 15 ؛ والترمذي ، الطب ، 19 ؛ والإمام مالك ، ابن أنس ، الموطأ ، إسطنبول ، 1981 ، العين ، 1 ؛ وأحمد بن حنبل ، 5 / 70 . ( 3 ) وقيل ، س م : ولذلك قيل ، ب . ( 4 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 144 . ( 5 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 6 ) وكانا ، ب : وكان ، س م . ( 7 ) ليعبدا ، ب م : ليعبد ، س . ( 8 ) تقضيا لي ، س م : يقضيا لي ، ب . ( 9 ) سألاها ، س م : سألا لها ، ب . ( 10 ) تقتلا ، س م : يقتلا ، ب . ( 11 ) اختصر المؤلف هذه الرواية من السمرقندي ، 1 / 143 ؛ والبغوي ، 1 / 129 - 132 . قال فخر الدين الرازي في تفسيره : « واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة ، لأنه ليس في كتاب اللّه ما يدل على ذلك ، بل فيه ما يبطلها من وجوه ، الأول : ما تقدم من الدلالة الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي ، وثانيها : أن قولهم انهما خيرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب ، لأن اللّه تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره ، فكيف يبخل عليهما بذلك ؟ وثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعقبان » . انظر مفاتيح الغيب ، 3 / 199 . وقال ابن كثير في تفسيره : « وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها ، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده اللّه تعالى ، واللّه أعلم بحقيقة الحال » . انظر تفسير القرآن العظيم ، 1 / 203 .